گشتیگوتار

من قتل الحسين ؟.. زيارة جديدة للتاريخ

خالد سندي
19/ 11/2012

 

 

في هذه الأيام، في العاشر من شهر محرم الجاري، ستطل علينا ذکری إستشهاد الحسين بن علي (رضي الله عنه)، وسوف ينزل الشيعة الشوارع، ويسيرون في مواکب، وسوف نری البسطاء والمغررين بهم، يلطمون وجوههم، ويضربون أنفسهم بالسلاسل ورٶوسهم بالسيوف، ويسيلون دماءهم ودماء أطفالهم وحتی الرضع منهم، ومنهم من يتمرغ في الوحل، وتعلو أفواههم الشتائم واللعنات، ظنا منهم أنما يکسبون من ورائها الأجر والثواب الجزيل.
لکن الذي لا يحدث، أن أحدا من هٶلاء لا يکلف نفسه عناء البحث عن حقيقة ما جری في کربلاء، لماذا حدث ؟ ولماذا توجه الحسين إلی الکوفة ؟ ومن قتل الحسين حقيقة ؟ ولماذا لا يفعلون ذلك لوالده علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) مع أنه کان أفضل من الحسين وقتل غدرا يوم الجمعة وهو في طريقه إلی المسجد لأداء صلاة الفجر ؟! وإستشهاده بکل تأکيد کان أفجع، إذ کان خليفة المسلمين ورئيس أکبر دولة في عصره ؟! ولماذا لا يفعلون ذلك لرسول الله (صلی الله عليه وسل) وهو أفضل خلق الله، وموته کان أفجع بکثير من موت الحسين ؟
جوابا لهذه الأسئلة، نقوم بزيارة جديدة للتاريخ، لنکشف معا الحقيقة علی ما هي عليها ووضعها أمام الأنظار. وسوف يجد القارئ مسائل کثيرة، ربما تکون جديدة عليه، لم يقرٶها أو لم تطرق مسامعه من قبل، وخاصة المحطات البارز‌ة في الحدث، لأن أصحاب العمائم السوداء والبيضاء، الذين يضفون علی أنفسهم ألقاب التعظيم والتبجيل کـ (ولي الفقيه، آية الله، آية الله العظمی، حجة الإسلام والمسلمين) تلك الألقاب التي ما ينزل الله بها من سلطان، هٶلاء لا يريدون أن يطلع عليها الشيعة، ويحاولون تشويهها بألف وسيلة ووسيلة. ومع ذلك لا أقول خذوا کل ما أقول غامضي الأعين، بل أٶکد علی الرجوع إلی کتب التاريخ، کتب الشيعة أنفسهم، وما کتبه المٶرخون، وحققوا بأنفسکم، دون الإعتماد فقط علی أقول المعممين لأن هٶلاء من أجل حفظ مصالحهم المادية عن طريق إبتزاز أموال الشيعة بإسم الخمس، يحاولون دوما التستر علی الحقائق ولهم قصب السبق في ذلك.
لنعود إلی البداية، يوم صالح الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنهم) وتنازل الحسن عن الخلافة له، نجد أن الأمن والإستقرار قد إستتب في البلاد، وأن الحسن والحسين کانا يترددان علی معاوية وأنه کان يکرمهما إکراما زائدا، ويعطيهما العطاء الجزيل، وحتی بعد وفاة الحسن (رضي الله عنه) کان الحسين يفد إلی معاوية فيکرمه ويعطيه. وکان الحسين ضمن الجيش الذي غزا القسطنطينية بقيادة يزيد بن معاوية عام 51 هـ (1).
ولما أراد معاوية في حياته أخذ البيعة لإبنه يزيد لتولي الخلافة بعده رفض عدد من الصحابة والتابعين مبايعته؛ منهم الحسين وعبدالله بن عباس وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن الزبير ومحمد بن الحنيفية وهو إبن علي بن أبي طالب من غير فاطمة (رضي الله عنها) وغيرهم، إذ لم يجدونه أهلا لها. لکن فيما بعد بايعوه إلا الحسين وعبدالله بن الزبير أصرا علی مخالفته وعدم مبايعته، ففرا إلی مکة.
وبعدما تواتر خبر الحسين وجد أهل العراق من أتباع إبن سبأ اليهودي فرصتهم الذهبية ليعيدوا الوضع إلی سابق أيامه من الفوضی وضرب وحدة الصف الإسلامي، کما فعلوا ذلك بالخليفتين الراشدين عثمان وعلي (رضي الله عنهما) ومن ثم ضربوا الحسن بالخنجر وجرحوه وشتموه، ونهبوا أمواله حتی لم يترکوا له البساط الذي کان يصلي عليه، وجد هٶلاء في خبر الحسين فرصتهم المٶاتية وضالتهم المنشودة، فبدأوا يراسلونه ويستقدمونه عليهم ويعطونه العهود والمواثيق لمبايعته. ولما کثرت المکاتبات والمراسلات بين الطرفين، أوفد إليهم الحسين إبن عمه مسلم بن عقيل لتقصي الأمور والتأکد من صدق نواياهم ومدی جديتهم. فما أن وصل إبن عقيل الکوفة حتی تهافتوا عليه تهافت الفراشات علی النار من کل جانب، وبلغ عدد الذين بايعوه في أيام قلائل ثمانية عشر ألفا ومن ثم بلغوا عشرون ألفا.
وبناءا علی تلك البيعات والحفاوة والتکريم الذي وجده منهم کتب إلی الحسين يطلب الوفود عليهم ويحثه علی القدوم. وجاء في کتاب مسلم للحسين، وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة، ” ان لك ها هنا مائة ألف سيف فلا تتأخر” (2).
لکن الذي لم يکن في الحسبان، أو بالأحری لم يحسب إبن عقيل حسابه هو أن خبره وخبر البيعات التي يأخذها قد وصل يزيد بن معاوية في الشام، ولم يعلم بها لا الحسين ولا إبن عقيل. وکذلك لم يضعا في حسابهما ما الذي سيفعلانه فيما لو علم بهما يزيد. وکانت الطامة الکبری تکمن هنا، أن عملهما، رغم خطورته، لم يکن يسير وفق خطة مدروسة، وبدون تخطيط مسبق.
علی کل حال، وصلت الرسالة إلی يد الحسين وهو يٶدي مناسك الحج، فقطع مناسکه وطاف بالبيت والصفا والمروة وجعلها عمرة، وتحرك بسرعة نحو المدينة المنورة. وفي مکة رأی فرزدق الشاعر، فسأله الحسين عما خلفه، فشرح له الوضع بعبارة مقتضبة: ” قلوب الناس معك وأسيافهم عليك ” (3). لکن الحسين مضی سبيله.
واتفق خروجه من مكة أيام التروية، أي الثامن من شهر ذي الحجة، قبل مقتل مسلم بيوم واحد، فإن مسلما قتل يوم عرفة. ولم يعلم الحسين بشيء من ذلك (4)، وهذا دليل ملموس أن الحسين ما کان يعلم شيئا عن الغيب کما يدعي علماء الشيعة الإثني عشرية، ولو کان يعلم شيئا من هذا القبيل ما کان يجهل کل هذه الأمور ؟!
وأما من ناحية يزيد، فبعد وصول خبر مسلم بن عقيل إليه وما يقوم به من أخذ البيعة للحسين، أشير إليه بضم الکوفة إلی إمارة إبن زياد، الذي کان واليا علی البصرة، فأمر بذلك وکتب يزيد إلى ابن زياد أن إذا قدمت الكوفة فاطلب مسلم بن عقيل فإن قدرت عليه فاقتله أو انفه.
وما أن وصل إبن زياد الکوفة حتی إستقبله أهلها وسلموا عليه ظنا منهم أنه الحسين. وبعدما علموا أنه إبن زياد، عامل يزيد، هاجموا عليه حتی إضطر إلی التحصن في قصر الإمارة وغلق الأبواب دونه. وبعد أيام إستطاع عن طريق الترغيب والترهيب، عن طريق شرائهم بالمال والتهديد بقدوم جيش من الشام، أن يخذل الشيعة، الذين کانوا بايعوا حسينا، عن إبن عقيل، فبدأوا ينصرفون عنه مسلم بن عقيل شيئا فشيئا حتی وجد نفسه في النهاية وحيدا فريدا طريدا، وحتی لم يجد من يٶويه، ومن ثم قبض عليه.
ولما أراد إبن زياد قتله بکی وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال بعض من حوله: إن من يطلب مثل الذي تطلب لا يبكي إذا نزل به هذا، فقال: أما والله لست أبكي على نفسي، ولكن أبكي على الحسين، وآل الحسين، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمس من مكة، ثم التفت إلى محمد بن الأشعث فقال: إن استطعت أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره بالرجوع فافعل، فبعث محمد بن الأشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدق الرسول في ذلك، وقال: كل ما حم الإله واقع. (5).
وفي المدينة بعد وصول الحسين إليها، وهو لا يعلم ما جری لمسلم بن عقيل، أشار إليه ذوو الرأي والنصيحة، أمثال عبدالله بن عباس ومحمد بن الحنيفية وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وصحابة آخرون، بعدم الخروج، وأن أهل الکوفة أهل غدر وخيانة ونقض العهود، وما کان يرون في خروجه مصلحة، لکن الحسين (رضي الله عنه) لم يسمع کلامهم وأصر علی المسير بسبب کثرة الرسائل التي کان قد تلقاها منهم، والتي بلغت خمسمائة رسالة، إضافة إلی الوعود التي قطعوها له.
قال له ابن العباس: يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد العراق، وإنهم أهل غدر، وإنما يدعونك للحرب، فلا تعجل، وإن أبيت إلا محاربة هذا الجبار وكرهت المقام بمكة فاشخص إلى اليمن، فإنها في عزلة، ولك فيها أنصار وإخوان، فأقم بها وبث دعاتك، واكتب إلى أهل الكوفة وأنصارك بالعراق فيخرجوا أميرهم، فإن قووا على ذلك ونفوه عنها، ولم يكن بها أحد يعاديك أتيتهم، وما أنا لغدرهم بآمن. وأضاف: إنهم من خبرت وجربت وهم أصحاب أبيك وأخيك وقتلتك غدا مع أميرهم، إنك لو قد خرجت فبلغ ابن زياد خروجك استنفرهم إليك، وكان الذين كتبوا إليك أشد من عدوك، فإن عصيتني وأبيت إلا الخروج إلى الكوفة فلا تخرجن نساءك وولدك معك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان، ونساؤه وولده ينظرون إليه (6).
وجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبدالله ! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف (7).
وأما ابن عمر فقد كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد ؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى.
فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع. فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: ” استودعك الله من قتيل ” (8).
وحتی أن أخوه محمد بن علي نصحه بعدم الخروج لکن دون جدوی لذلك لم يرسل معه أبناءه، حتی وجد حسين في نفسه شيئا تجاهه، فسار هو ومن إلتحق به، وهو لا يعلم ما ينتظره.
وكان عبيدالله بن زياد أمر أخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة، فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج، وأقبل الحسين عليه السلام لا يشعر بشيء حتى لقي الأعراب، فسألهم فقالوا: لا والله ما ندري، غير إنا لا نستطيع أن نلج (أو نخرج). فسار تلقاء وجهه عليه السلام (9). وما أن نزل الثعلبية ممسيا حتی أخبر عن مقتل إبن عقيل وخيانة أهل الکوفة له. فهم بالرجوع لما عرف بقتل مسلم بن عقيل، وأشير عليه بالعود، فوثب إليه بنو عقيل، وقالوا والله لا ننصرف حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أبونا. فقال عليه السلام: لا خير في العيش بعد هؤلاء (10).
وفي رواية أنه لما أصر إبنا مسلم علی ثأر أبيهما سار الحسين حتى إذا كان بزرود ( موضع بطريق مكة بعد الرمل) بلغه أيضا مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر، فقال لمن معه: خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الإنصراف فلينصرف من غير حرج عليه، وليس عليه منا ذمام، قال: فتفرق الناس عنه أيادي سبأ يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من مكة، وإنما فعل ذلك لأنه ظن أن من اتبعه من الأعراب إنما اتبعوه لأنه يأتي بلدا قد إستقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون علام يقدمون، وقد علم أنه إذا بين لهم الأمر لم يصحبه إلا من يريد مواساته في الموت معه (11).
ورغم ذلك لم يجد الحسين بدا من مواصلة المسير وإن لم يکن مقتنعا ولم يری جدوی في ذهابه إلی الکوفة بعد الذي فعلوه.
وعندما وصل القادسية ووجد أهل الکوفة الذين کانوا بايعوه وأعطوه العهود والمواثق ضمن جيش إبن زياد بقيادة الحر بن يزيد. وبعد إداء صلاة الظهر قال لهم الحسين بعد أن حمد الله وأثنی عليه: أيها الناس، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم، أن اقدم علينا فإنه ليس لنا إمام، لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق؛ فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم فاعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم، وان لم تفعلوا وكنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم»، فسكتوا عنه ولم يتكلم أحد منهم بكلمة (12).
ولما رأى أن لا سبيل له إلى العود ولا إلى دخول الكوفة، سلك طريق الشام سائرا نحو يزيد بن معاوية، فسار حتى قدم علی عمر بن سعد والتقی به وقال له: إختاروا مني؛ إما الرجوع إلى المكان الذي أقبلت منه، أو أن أضع يدي في يد يزيد، إبن عمي، ليرى في رأيه، وإما ان تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين، فأكون رجلا من أهله لي ما له وعلي ما عليه (13).
والحسين طلب ذلك لأنه کان يعلم أن يزيدا لن يقتله لأن أباه معاوية لما احتضر أوصاه بما أوصأه به، وقال له: انظر حسين بن علي، بن فاطمة بنت رسول الله، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، يصلح لك أمره، فإن يكن منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه (14).
وقبل إبن زياد مطلبه في البداية، لکن شمر بن ذي الجوشن (وله من الله ما يستحق) وکان من شيعة علي وممن إشترك في معرکة صفين وبعد التحکيم الذي جری بينه وبين جيش معاوية إنقلب عليه مع الخوارج وکفره وحاربه، قام إلی إبن زياد وقال له: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ؟! والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة ولتكونن أولى بالضعف، فلا تعطه هذه المنزلة، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت أولى بالعقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك (15).
في الحقيقة رغم تتبعي في کتب الشيعة أنفسهم وکتب التاريخ، لم أظفر بدليل صحيح يشير إلی أمر يزيد بقتل الحسين، وهذا ليس دفاعا عنه ولا تبرئة لساحته، فإن کان لدی أحد دليل صحيح بسند صحيح فليذکره لنا مشکورا مع ذکر المصدر والباب الذي ذکر فيه ليتسنی لنا التحقيق فيه ونرجع عن قولنا أن کان صحيحا.
وبعد بدء القتال، ورغم إشتداده وسقوط کثير من القتلی والجرحی، کان کثيرون يتجنبون قتل الحسين (رضي الله عنه) ولا يريدون أن يبتلوا بدمه، حتی رماه الشقي شمر بن ذي الجوشن (وله من الله ما يستحق) بحربته فسقط صريعا من فرسه. ومن ثم جز رأسه المبارك وأتی به إلی إبن زياد (ولهما من الله ما يستحقان)، وقيل جزه خولي بن يزيد الأصبحي. وأوتي بيته إلی الکوفة، فتظاهر البعض منهم بالبکاء عليه، فقال لهم علي بن الحسين (رضي الله عنه): إن هؤلاء يبكون علينا، فمن قتلنا غيرهم؟ (16).
وقالت زينب، أخت الحسين: يا أهل الكوفة ! يا أهل المكر والغدر والخيلاء، أنا أهل بيت ابتلانا الله بكم، وابتلاكم بنا.. وإضافت: أكرمنا الله بكرامته، وفضلنا بنبيه صلى الله عليه وآله على كثير من خلقه تفضيلا، فكذبتمونا، وكفرتمونا، ورأيتم قتالنا حلالا، وأموالنا نهبا، كأنا أولاد الترك أو كابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدم، قرت بذلك عيونكم، وفرحت به قلوبكم، اجتراءا منكم على الله، ومكرا مكرتم والله خير الماكرين “.
ودعت عليهم قائلة: ” تبا لكم! فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأن قد حل بكم، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بما كسبتم ويذيق بعضكم بأس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا، ألا لعنة الله على الظالمين ” (17).
وأما ما يقال أن الحسين رفع طفلا رضيعا وتوسل به من أجل السماح له لجلب الماء للطفل الذي کان يبکي عطشا، فکلام مختلق ولا أصل له، بل إستحدثه الوضاعون لدغدغة مشاعر الناس وعواطفهم، لأن الحسين الذي رفض النزول علی حکم إبن زياد، ومن ثم وهو يری الشباب يسقطون دونه صرعی، کيف يسمح لنفسه من أجل طفل، أن يستعطف الذين خدعوه وخانوه وغدروا به ومن ثم قاتلوه إلی جانب إبن زياد ؟! إذ کان الحسين (رضي الله عنه) أکبر من ذلك، لإن الحر لا يذل نفسه أمام الذليلين.
وأما الإدعاء أن إبن زياد أرسل رأس الحسين المبارك إلی يزيد في الشام، فهذا أيضا إختلقه الذين نکثوا بيعتهم معه، إذ ليس فيه رواية صحيحة بسند صحيح، ومن ثم شيء غير منطقي ولا يقول به عاقل، لأن الطريق بين کربلاء والشام طويل، وأن الطريق آنذاك بين العراق والشام کان يمر بالمدينة المنورة ومكة، والمسافر يحتاج علی الأقل إلی شهر مشيا علی الأقدام ومع الحيوانات لقطع تلك المسافة. وجسم الإنسان الميت لا يتحمل هذه المدة الطويلة، بل بکل تأکيد ينتن ويتفسخ، لذلك فإن هذا الإدعاء لا يقبله العقل أيضا.
أهل البيت الذين قتلوا مع الحسين:
قتل في هذه المعرکة غير المتکافئة بطف كربلاء مع الحسين (رضي الله عنهم) ثمانية عشر شخصا من أهل البيت إضافة إلی الحسين نفسه، فمن إخوته: العباس بن علي، عبدالله بن علي، وجعفر بن علي، وعثمان بن علي، أمهم أم البنين .
وعبيدالله بن علي، وأبو بكر بن علي، اُمّهما ليلى بنت مسعود الثقفية.
ومن أبناء الحسن بن علي (رضي الله عنهما) قتل: عبدالله، والقاسم، وأبو بكر.
ومحمد، وعون ابنا عبدالله بن جعفر بن أبي طالب .
وعبدالله، وجعفر، وعقيل، وعبدالرحمن بنو عقيل بن أبي طالب (18).
کيف نتعامل مع الحدث ؟
لا نشك في أن إستدراج الحسين (رضي الله عنه) بالغدر والخيانة إلی کربلاء ومن ثم الإنقلاب عليه وقتله فاجعة مٶلمة، وجريمة لا تغتفر. لکن ينبغي أن نعلم کيف نتعامل مع هذا المصاب الجلل. هل نتعامل معه بالضرب بالسيوف والسلاسل وإسالة الدماء، والتمرغل في الوحل، واللعن والشتم ؟ هل يکون تعاملنا بهذا الأسلوب غير الحضاري البعيد کل البعد عن القيم الإنسانية ؟ أم بالعودة إلی الإسلام الحقيقي الذي جاء به نبينا محمد (صلی الله عليه وسلم) والمبدأ الذي من أجله ضحی الحسين ومن معه بأنفسهم، وبترك فکر وعقيدة إبن سبأ اليهودي وأتباعه الذين إرتکبوا تلك الجريمة بحق الإسلام والمسلمين ؟
وأما البقاء علی تلك الفکر والعقيدة التي أتی بها أولئك الغدارون، ناقضي العهود والمواثيق والإستمرار عليها، ومن ثم التعامل مع الحدث وفقا للبدعة التي إبتدعها أتباع إبن سبأ اليهودي واعتبارها عبادة أو وفاء للحسين، هو الجهل المطبق، إن لم نقل أنه الغباء.
ولقد أخبر النبي (صلی الله عليه وسلم) أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (19). أي أنهما الآن في الجنة فرحان بما آتاهما الله تعالی، وأن الذين غدروا بالحسين وقتلوه، قد أفضوا إلی ما قدموا، وينالون ما يستحقون من جزائهم العادل، فهل البکاء والضرب والشتم واللعن هو من أجل أن الحسين يتمتع في الجنة، أم من أجل أن الذين إرتکبوا تلك الجريمة ينالون جزاءهم ؟ إذن فلا حاجة إلی البکاء ولا الضرب بالسيوف، ولا إسالة الدماء ولا التمرغل في الوحل.
وإذا کان الحسين (رضي الله عنه) نهی أخته زينب (رضي الله عنها) عن البکاء عليه أو شق الجيوب، بقوله: ” يا أخية إني أقسمت فأبري قسمي، لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت (20). فما بالنا إذن نحن نفعل ذلك ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية لإبن کثير. ج8 ، ص161.
(2) الإرشــاد للشيخ لمفيد. ج٢. ص٧١.
(3) الإرشــاد للشيخ المفيد. ج٢. ص٦٧.
(4) البداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص172.
(5) البداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص167-168.
(6) مروج الذهب للمسعودي. ص373.
(7) البداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص174
(8) البداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص173.
(9) الإرشــاد للشيخ المفيد. ج2. ص72.
(10) تنزيه الأنبياء للشريف المرتضی.ص229 . والإرشــاد للشيخ المفيد. ج2. ص73- 74. ومروج الذهب للمسعودي. ص375.
(11) البداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص182.
(12) الإرشــاد للشيخ المفيد. ج2. ص78- 79.
(13) تنزيه الأنبياء. الشريف المرتضی.ص229. والبداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص 183.
(14) البداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص175.
(15) إعلام الوری للطبرسي. ج1. ص453. والبداية والنهاية لإبن کثير. ج8. ص189.
(16) الإحتجاج للطبرسي. ج2. باب خطبة زينب بنت علي بن أبي طالب بحضرة أهل الكوفة. ص29.
(17) الإحتجاج. للطبرسي. ج2. باب احتجاج فاطمة الصغرى على أهل الكوفة. ص27- 28.
(18) إعلام الوری للطبرسي. ج1. ص476.
(19) سنن الترمذي/ 3859 و3872، وسنن إبن ماجە/ 118، ورواه الإمام أحمد في مسنده/10814 و11418 و11444.
(20) الإرشــاد للشيخ المفيد. ج2. ص93- 94.

بابه‌تێن په‌یوه‌ندی دار

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق