العوامل التي تهدد الإقتصاد الإيراني بالإنهيار

خالد سندي
12- 9- 2012

 
تعيش إيران في ظل وضع إقتصادي صعب منذر بالخطر، ويزداد سوءا مع مرور الأيام، وربما يٶدي إلی الشلل التام إذا ما إستمر علی هذا المنوال، وينتهي بعده إلی الإنهيار الکامل إن لم يتم تدارکه، وذلك لأن أعباء ميزانيتها أصبحت ثقيلة وعاجزة عن إيفاء إلتزاماتها، خاصة تجاه مواطنيها.
وأما عوامل تقف وراء هذا الوضع؛ فهي:
١- الحظر الأوروبي للنفط
وإن کان هذا العامل متأخر من حيث الترتيب الزمني عن العوامل الأخری إلا أني رأيت تقديمه علی الباقي نظرا لأهميته وما يشکله من مخاطر جدية وتأثيره البالغ السلبية علی الإقتصاد الإيراني الذي يعتمد بالدرجة الأساس علی العائدات النفطية التي تشکل 80% من عائدات صادرات هذا البلد.
فمنذ بدأ سريان الحظر الأوربي علی شراء و نقل النفط الإيراني في الأول من تموز الفائت، أي قبل شهرين ونصف، بدأت آثاره السلبية تظهر علی إقتصاده بشکل ملحوظ. وذلك لأن إيران تخسر يوميا حوالي (133) مليون دولار أمريکي من مبيعات النفط، فکان من آثارها الهبوط الحاد في سعر الريال الإيراني الذي بلغ سعره الرسمي (12260) ريالا للدولار الواحد، وعشرون ألفا‌ بسعر السوق السوداء، وإزدادت نسبة التضخم التي ربما ستصل إلی 33%، فيما إرتفعت أسعار المواد الغذائية إلی مستويات قياسية عالية.
ولقد أشارت بعض التقارير إلی إحتمال أن تعاني إحتياطات إيران من النقد الأجنبي عجزا هائلا في الأشهر القادمة وربما تنفد في ظل إستمرار الحظر والعقوبات الإقتصادية الأخری المفروضة عليها من قبل أمريکا وحلفائها، وتزداد طول قائمتها بين فترة وأخری.
وفي ظل هذا الوضع الخطر الذي يعانيه الإقتصاد الإيراني، هبطت الطاقة الإنتاجية لکثير من المصانع إلی النصف، إضافة إلی إفلاس شرکات أخری، مما يجعل کثير من الموظفين والعمال يخسرون وظائفهم وأعمالهم لينضافوا إلی جيش العاطلين.
وربما تقوم الحکومة کما تشير بعض التقارير الصادرة عن جهات حکومية بخفض رواتب موظفي الدولة خلال الأشهر القادمة لعدم قدرتها علی دفع رواتبهم کاملة بسبب العجز في الميزانية، وهو ما يضاعف من متاعب الإيرانيين.
٢- التهديدات الأمريکية والإسرائيلية المتکررة
منذ أن بدأ البرنامج النووي الإيراني بالبروز کمشکلة وأُتهمت الأخيرة بأنها تسعی لصنع القنبلة النووية، منذ ذلك الحين شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل تطلقان التهديدات بضرب منشآتها النووية، إضافة إلی فرض عقوبات إقتصادية مختلفة عليها من قبل الغرب.
کان طبيعيا أن تجد تلك التهديدات رد فعل قوي لدی القادة الإيرانيين، وأن يلجأوا إلی إقتناء مزيد من الأسلحة المتطورة ” للدفاع عن أنفسهم ” وإجراء مناورات عسکرية بين الحين والآخر لعرض عضلاتهم. وهو ما دفعهم إلی تخصيص الجزء الأکبر من ميزانية الدولة لشراء تلك الأسلحة والحصول عليها بدلا من إستثمارها في مشاريع صناعية وتنموية تقوي البنية التحتية لبلدهم وتوفر فرص عمل للإيرانيين.
والتهديدات الأمريکية هي جزء من سياستها لتبديد قدرات إيران المالية وإستنزاف مواردها وإعاقة تطورها الإقتصادي فيها، وذلك بإلجائها إلی صرف الأموال في الجوانب العسکرية بدلا من إقامة الصناعات الإنتاجية التي تعود بالنفع علی البلد. وهذه الأسلحة التي تشتريها مهما کانت متطورة فإنها لن تبلغ مستوی الأسلحة التي بحوزة الجيش الأمريکي.
ولا ننسی أن الأسلحة التي تشتريها إيران کل من روسيا والصين تطورها محدود وأنها ليست کتلك التي بيد جيشيهما، أو تستطيع إلحاق ضرر کبير بأمريکا، بمعنی آخر أن الأسلحة التي تبيعانها لإيران هي أسلحة دفاعية، مثلما لا يغيبن عن البال أن هاتين الدولتين لهما مصالحهما، وتعملان علی الحفاظ عليها، وهما تسعيان إلی إقامة توازن في علاقاتهما مع دول العالم، وبکل تأکيد أن مصالحهما مع الغرب أکثر بکثير مما هي مع إيران، وأنهما غير مستعدتان بالتضحية بتلك المصالح ولا أنهما مستعدتان للمواجهة مع الولايات المتحدة والغرب، لذلك فهما غير حاضرتين للتفريط بها من أجل إيران، فتقومان ببيع أسلحة إلی إيران لتقوم بضرب أمريکا علی أراضيها، لا لن تفعلا ذلك أبدا.
والوضع الإيراني الحالي يذکرنا بأيام الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وبين الإتحاد السوفيتي السابق وکيف أن الأولی جرت الثاني إلی سباق التسلح وحرب النجوم التي إستنزفت مواردها المالية، وإضطرته إلی ترك التنمية الإقتصادية، ومن ثم ثقلت کاهل الميزانية السوفيتية حتی أصبحت غير قادرة علی مواجهة متطلبات تلك الحرب، فکان من نتيجتها إنهيار الإتحاد السوفيتي وتفرق جمهورياتها، حتی صار جزءا من تاريخ الماضي، ولم تستطع أسلحته رغم تطورها الهائل الحٶول دون سقوطه.
والذي يُری أن صناع القرار في واشنطن ينتهجون نفس السياسة تجاه إيران، ويلعبون معها نفس اللعبة، فيطلقون التهديد تلو التهديد حتی يخيل للإنسان أحيانا أن الضربة أصبحت قاب قوسين أو أدنی، فتجد الأخيرة نفسها مضطرة أن تنصب جل إهتمامها للدفاع نفسها وعن منشاتها النووية، فتتوجه إلی شراء مزيد من الأسلحة وتخزينها. والذي يزيد من مخارف إيران أن المبادرة ليست بيدها، وأنها لا تعلم توقيتها، ولا فيما إذا کانت الضربة تأتي أم لا، أي أن هاجس الخوف تظل تلاحقها.
صحيح أن إيران بلد نفطي ويمکن القول أنها قادرة علی تعويض خسائرها من هذا الجانب، إلا أن العقوبات الإقتصادية المختلفة المفروضة عليها، لاسيما الحظر النفطي، قد بددت تلك القدرات إلی حد بعيد، والمشاکل الإقتصادية التي تعانيها حاليا، دليل واضح علی ذلك.
أنا لا أقول أن الضربة لا تأتي أبدا، مثلما لا أقول أنها آتية لا محالة، وإن کنت أتمنی أن لا تحدث، لکن هذه المسألة متوقفة علی مدی إستجابة إيران أمريکا وعلی قرار الطرف الأول، وهم الذين يقررون متی وکيف تکون، وذلك وفقا لحساباتهم، وإحساسهم بالخطر.
والسٶال المهم، لو نفذت الولايات المتحدة تهديداتها وحدها، أو إسرائیل ومعها إمريکا، التي لا تقدم علی خطوة کهذه دون مساعدة أمريکية، هل ستکون إيران قادرة علی الرد بالمثل ؟
الجواب يحتاج إلی شيء من التأمل، فإيران محاطة بالقواعد الأمريکية وقواتها العسکرية من کل الجوانب، وکل الأهداف الإيرانية في مرمی الأسلحة الأمريکية، في حين أن الأراضي الأمريکية بعيدة عن إيڕان وصواريخها لا تصل إليها، عليه فإيڕان غير قادرة علی إلحاق الأضرار بالولايات المتحدة في داخلها. وکل ما تستطيع فعله هو إستهداف إسرائیل والدول الخليجية، وخاصة آبار النفط فيها، وبعدد محدود من الصواريخ، لا مفتوحة العدد، لأنها إذا ما أقدمت علی مثل هذه الخطوة، ستدخل بکا تأکيد في حرب شاملة مع أمريکا، وعندئذ لن تکون قادرة علی مواجهتها والإستمرار فيها، وسيکون الخاسر الأکبر هم قادة إيران، ولا أعتقد أن أولئك القادة يجهلون هذه الحقيقة.
٣- سياسة إيران التوسعية
هذه السياسة هي أم السياسة الإيرانية في المنطقة ورکيزتها الأساسية، وهي االسبب الأول الذي جلب إليها کل المشاکل التي يعاني منها الشعب الإيراني حاليا، وسيجلب لها مستقبلا إن بقي القادة الإيرانيون يتبعونها.
فإيران التي لم تمض شهور علی إنتصار ثورة شعوبها حتی بدأت أطماع قادتها الجدد تطفح علی السطح، وأخذوا ينادون بتصدير الثورة، وقاموا بإشعال نار الفتنة الطائفية، مستغلين الأقليات الشيعية في الدول المختلفة وجعلهم مطية لتمرير سياستهم التي کانت الحرب الإيرانية العراقية إحدی نتاجها الوخيمة، التي إستمرت ثماني سنوات، والتي راح ضحيتها مئات الألوف من الشعبين، حتی إضطر الخميني نفسه في نهاية المطاف إلی إرتشاف قدح السم، علی حد قوله، وإيقاف الحرب.
إطماع قادة إيران في ضم دول الخليج العربي إلی أراضيهم غير مخفية، ولم تتوقف مذ مجيء الملالي إلی دفة الحکم، فهم يعملون ليل نهار لتحقيقها. وإستمرار إحتلالهم للجزر الإماراتية الثلاث، طنب الکبری وطنب الصغری وأبو موسی، والتهديدات المتکررة التي تأتي علی ألسنة القادة الإيرانيين ضد البحرين وإعتبارها جزءا من إيران، ودفاع قادتها المستميت عن نظام بشار الأسد الذي إتخذوه رأس جسر نحو الدول العربية لتحقيق أهدافهم، خير دليل علی تلك الأطماع.
وحتی في المفاوضات التي تجری بين أمريکا و إيران حول ملف الأخيرة النووي، فإن بعض التقارير المتسربة تشير إلی أن أول ما يطرحه المفاوضون الإيرانيون علی مفاوضي الطرف الآخر، هو أن تطلق أمريکا يد إيران في الخليج العربي مقابل توقيف البرنامج النووي، أي أن المعرکة هي علی الدول العربية الخليجية وليست علی البرنامج النووي کما تذکرها وسائل الإعلام.
وسياسة إيران التوسعية علی حساب دول الجوار، وبخاصة العربية منها، هي التي تقف وراء سعيها الحثيث علی تسليح نفسها بإحدث الأسلحة، بما فيها الأسلحة النووية، لتتحول إلی القوة الأکبر في المنطقة، ومن ثم لتکون قادرة عن طريقها تنفيذ أطماعها.
وفي الوضع المأساوي الذي تعيشه إيران أمامها ثلاث خيارات للخروج منها:
١- إما الرضوخ للشروط الأمريکية وإملاءاتها، بترك برنامها النووي ذو الطبيعة العسکرية، ومن ثم القبول بالرقابة الدولية علی منشآتها النووية، وهو أسهل الخيارات، وأقلها ضررا علی إيران.
٢- أو الإستمرار في برنامجها وتحمل تبعاتها من العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها، وحصار الأوربي لشراء ونقل نفطها، والتي تٶدي إلی الإنهيار الکامل لإقتصادها، أو إلی إحتمال مواجهة أمريکا عسکريا في نهاية المطالف. يعد هذا الخيار هو أصعب الخيارات وأکثرها خطورة عليها، لأنها ربما تخسر کل شيء.
٣- وإما قيام ربيع إيراني علی غرار الربيع العربي، وقلب النظام الحاکم، وقيام نظام حکم ديموقراطي في ذلك البلد، وهو أفضل الخيارات وأنفعها للشعب الإيراني، لأن هذا لا يبعد عنهم فقط شبح الحرب والجوع، بل يغير الوضع الإقتصادي والسياسي کليا لصالحهم.

‎لدور مالا مه‌

Check Also

هەستا بەرپرساتییێ یان ترس ژ سزا …

ئارمانج گوهه‌رزی ل دەڤەرا بارزان نەدار دهێتە بەرین نەژی گیانەوەر دهێنە کوشتن سەیرە … !!! …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


هه‌ر بابه‌ته‌كێ به‌لاڤكری ده‌ربڕینێ ژ بۆچونا نڤێسه‌رێ بابه‌تی دكه‌ت و ماڵامه‌ ئینفو ژێ به‌رپرسیار نینه‌.