xalid sindi

وقفات مع الشيخ جلال الصغير

الوقفة الثالثة (الأخيرة)

 

من هم المارقون ؟
خالد سندی
2 / 9 / 2012
ألقی الشيخ جلال الصغير، إمام مسجد براثا في بغداد، وعضو سابق في البرلمان العراقي، أواسط الشهر الماضي محاضرة وصف فيها الأکراد بالمارقين الذين سيستحر فيهم القتل علی يد المهدي المنتظر، لکنه لم يبين إن کان مروقهم دينيا أم سياسيا، أم کليهما. ولم نجد بدا في هذه الوقفة مع الشيخ التعرض للجانبين کل علی إنفراد، ومن ثم نجمع بينهما.
وفيما يخص المروق الديني، إن کان قصد ذلك، أقول أن الکرد هم في جملتهم، أو الأکثرية الساحقة منهم، هم من أهل کتاب الله وسنة رسوله المصطفی (صلی الله عليه وآله وسلم)، ویتبعون الجيل القرآني الفريد في التاريخ، الذين وصفهم الله تعالی بخير الأمم، مخاطبا إياهم: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ آل عمران/١١٠، وخاطبهم بأجمل العبارة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، ويصلی عليهم الله تعالی وملائکته، قائلا لهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّـهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٤٢﴾ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴿٤٣﴾ سورة الأحزاب.
وکذلك زکاهم في عشرات الآيات في القرآن الکريم وبشرهم بالجنة وهم أحياء، مثلما اعتبر الذين يتبعونهم بإحسان فائزون، منها قوله تعالی: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ سورة التوبة/١٠٠،
ومن ثم جعل الله تعالی إيمان الصحابة مقياسا لإيمان کل من يدعي الإيمان، فمن خالف إيمانه إيمانهم فلا حظ له في الإيمان، وفي ذلك يخاطبهم الله تعالی: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّـهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ سورة البقرة/١٣٧،
وإلی جانب ذلك صنف القرآن المنتسبين إلی الإسلام، الحقيقيون منهم والمتظاهرون به، إلی أربعة أصناف؛ الصنفان الأولان هم المهاجرون والأنصار، الذين اعتبرهم القرآن صادقين في إيمانهم ومفلحين يوم القيامة، والصنف الثالث هم الذين يأتون من بعدهم ويدعون لهم، والصنف الرابع هم المنافقون الذين شهد الله علی کذبهم، واعتبرهم القرآن إخوان اليهود، جاء ذلك في سورة الحشر: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴿٨﴾ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٩﴾ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٠﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴿١١﴾ سورة الحشر.
بکل تأکيد، الشيخ الصغير ومن يحمل مثل عقيدته ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار، لأنه لا مهاجرين ولا أنصار إلا الذين کانوا علی عهد النبي (صلی الله عليه وسلم)، ولا هم من الصنف الثالث، لأنهم لا يقولون (( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا ))، بل يسبون رسول الله (صلی الله عليه وسلم)، والصحابة ويکفرونهم ويلعنونهم، لذلك فإنهم من الصنف الرابع الذين ورد وصفهم في الآية (١١) السابقة.
والأکراد في جملتهم متابعون لنهج أولئك السلف الصالح الذين أثنی الله تعالی عليهم کثيرا في القرآن، والذين إنتشر الإسلام علی أيديهم، وهم الذين حفظوا لنا القرآن الکريم والسنة النبوية الشريفة. والقرآن الذي بين أيدينا اليوم ويقرٶه الملايين من الناس هو القرآن الذي حفظه ذلك الجيل الرباني، وکذلك السنة الشريفة.
والسٶال المرکزي هنا، هل للشيخ الصغير أن يذکر لنا حتی سندا واحدا متصلا وصحيحا للقرآن يصل إلی رسول الله (صلی الله عليه وآله وسلم)، بحيث يکون کل رجاله من الشيعة الإثني عشرية، مثل الذي لأهل کتاب الله وسنة رسوله (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟ ويکون عن طريقه حفظوا القرآن الکريم ؟ إنهم عاجزون عن إتيان حتی طريق واحد صحيح يوصلهم إلی القرآن الذي أنزله الله تعالی علی رسوله الأمين (صلی الله عليه وآله وسلم).
ومن ثم، لماذا قام علماء الشيعة الإثني عشرية بتحريف القرآن ثم نسبوا القول بالتحريف إلی أئمتهم، حتی صار کبار علمائهم يقولون بالتحريف، أمثال الکليني، صاحب کتاب الکافي الذي يعد أفضل کتبهم، والمجلسي صاحب بحار الأنوار الذي يعد أحد الکتب الثمانية المهمة لدی علماء الشيعة، والعياشي، صاحب التفسير الذي کان من القائلين بألوهية الأئمة (**)، وأبو القاسم الخوئي، وغيرهم کثيرون، لماذا يعاندون في القول بالتحريف رغم أن الله تعالی تعهد في القرآن بحفظ کتابه، وذلك في قوله تعالی ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ الحجر/ ٩ ؟
وحتی کبار علماء الشيعة لا يعترفون بالإله والرسول اللذين يٶمن بهما أهل کتاب الله وسنة رسوله (صلی الله عليه وآله وسلم)، إذ يقول نعمة الله الجزائري الذي يعد من علمائهم المبجلين في کتابه ( الأنوار النعمانية) الذي أعيد طبعه أکثر من مرة، يقول: ((إنا لا نجتمع معهم – أي مع أهل السنة – على إله، ولا على نبي، ولا على إمام، وذلك أنـهم يقولون: إن ربـهم هو الذي كان محمد – صلی الله عليه وآله وسلم – نبيه وخليفته بعده أبو بكر. ونحن لا نقول بـهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول: إن الرب الذي خليفة نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا)(*). لا شك أن هذا کلام خطير يجعل صاحبه وأتباعه أشد کفرا من أبي جهل. فمن هو إلههم ؟ أهو اللات والعزی، أم مناة الثالثة الأخری ؟ ومن هو نبيهم، أهو إبن سبأ اليهودي، أم مسيلمة الکذاب ؟ فليخبرنا الشيخ الصغير إن کان هو وفرقته لا يعترفون بإلهنا ولا نبينا ؟
وبعد هذا الذي ذکرنا نسأل من هم المارقون ؟ أهم الأکراد الذين يتبعون نهج الجيل الرباني الفريد في تاريخ البشرية، والذين زکاهم الله تعالی وأثنی عليهم في عشرات الآيات، الذين کان منهجهم القرآن والسنة ؟ أم أولئك الذين ليس لهم إتصال بسند متصل صحيح بالقرآن وعمدوا إلی تحريفه ونسبوا تحريفهم له إلی أعلام أهل بيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)، وليس لهم حتی کتاب واحد خاص بسنة رسول الله، ومن ثم لا يعترفون بالإله الذي نبيه محمد (صلی الله عليه وآله وسلم) ؟
کلامنا هذا کان عن المروق من الدين، وتبين من هم المارقون من الدين، والآن نأتي إلی الشق الآخر وهو المروق السياسي.
وأما إن کان جلال الصغير يقصد بالمروق المروق السياسي، فنسأله هل خروج الکرد علی صدام حسين وأتاتورك وشاه إيران والخميني وأمثالهم من الطغاة المستبدين يعد مروقا ؟
وإذا کان مجرد مطالبة الکرد بالحقوق الإنسانية والمساواة التي کفلتها کل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، وخروجهم بعد إنسداد کل الطرق السلمية التي سلکوها وإنغلاق الأبواب التي طرقوها، في وجوههم، ومن ثم إضطرارهم إلی حمل السلاح ومقاتلة الحکام الدکتاتوريين الذين لا يرتوون إلا بإراقة المزيد من الدماء البريئة، ولا يشعرون بالراحة التامة إلا بعدما يرون إنسحاق الملايين من البشر أمامهم، وإذا کان مطالبتهم بهذا وخروجهم علی أمثال هٶلاء الظالمين مروقا يستحل به الشيخ الصغير دماء الکرد وإرتکاب الجينوسايد بحقهم، فينبغي أن ينسحب هذا الوصف علی الآخرين إيضا الذين سبق لهم أن خرجوا علی حکامهم، وتشمل نظريته الحسين (رضي الله عنه) أيضا، لأنه خرج علی يزيد. وهل يقول الشيخ الصغير به ، أم أن ذلك خاص بالکرد ؟
إن الظلم الذي تجرع الکرد مرارته، والقمع والويلات التي تعرضوا لها علی أيدي الطواغيت وعصاباتهم تفوق کل وصف وتصور، وعمليات ((الأنفال)) السيئة الصيت، والتي راح ضحيتها أکثر من ثمانين ألف کردي، وحلبجة التي تعتبر هروشيما کردستان، ليستا عنا ببعيد.
يبدو أن الجرائم التي إرتکبتها الحکومات الظالمة وترتکبها بحق الشعب الکردي المسالم لا ترتقي إلی الدرجة التي تشفي غليل الشيخ وتعطشه للدماء إلا بعدما يری إنتهاء الوجود الکردي، لذلك يستعين بالمهدي الموهوم لإبادتهم عن بکرة أبيهم ليحل له عقدته النفسية التي ألمت به کثيرا.
ولنا أن نسأل لماذا يکون من حق العرب والترك والفرس والإنجليز والروس وغيرهم من الأقوام والملل أن يکون لهم دولهم، ويحق لهم أن يعيشوا بأمن وأمان علی أرضهم، ولا يحق لأحد أن يمنعهم هذا الحق، أو أن يقلق مضاجعهم، بينما يکون هذا الحق حراما علی الکرد، ولا يحق لهم المطالبة به ؟ وتکون مطالبتهم بها جريمة لا تغتفر، ويعاقبون عليها بالإبادة ؟!!
وهل ثمة دين سماوي أو قانون أرضي يمنع الکرد عن هذا الحق، ويطلق يد الطواغيت والجبابرة في الفتك بهم وشطب وجودهم علی الأرض ؟ وهل هناك دين سماوي أو قانون أرضي يمجد الطواغيت والحکام الدکتاتوريين ويثني عليهم لسفکهم دماء الشعوب المطالبة بحقوقهم ؟
مرة أخری نسأل الشيخ جلال، من هو المارق ؟ الذي يطالب بالحق، ويناضل من أجله، أم الذي يغتصب الحقوق، ويسفك الدماء ويزهق الأرواح البريئة ؟ إذن فمن أين إستمدت ثقافتك یا أيها الشيخ الصغير ؟!!
وأما إن کان يقصد بالمروق المروق الديني والسياسي معا، فقد تبين مما سبق أن الشيخ الصغير ومن لف لفه واعتقد عقيدته، هم المارقون، لأن المنهج والعقيدة اللذان يتبعهما غالبية الکرد هما العقيدة والمنهج اللذان جاء بهما الرسول، لا الذي قاله العياشي والکليني ولا نعمة الله الجزائري وغيرهم من المنحرفين. وفي الجانب السياسي فإن الکرد يطالبون بحق يشترك فيها کل بني آدم، والذي يغتصب ذلك الحق ويمنعه من أصحابه هو الشاذ عن الإنسانية والمارق عن سبيل الرشاد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) (الأنوار النعمانية ج 2. ص191. باب نور في حقيقة دين الإمامية. دار القارئ للطباعة والنشر والتوزيع. دار الکوفة، طباعة، نشر، توزيع. بيروت. لبنان. طبعة 1428هـ، 2008 م).
(**) يقول العياشي في تفسيره. ج٢. تفسير سورة النحل آية (٥١): عن أبى بصير قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: ((ولا تتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد)) يعنى بذلك: ولا تتخذوا امامين انما هو امام واحد. (تفسير العياشي. تفسيره للآية (ولا تتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد) النحل/51. أي أنه فسر کلمة (إله) بالإمام.

‎لدور مالا مه‌

Check Also

22

لا تُعانِق الخَوَنة 

  25/5/2016 امين يونس ” عندما يخونوك .. فكأنما قطعوا ذِراعَيك تستطيع مُسامحَتهُم . لكنكَ …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


هه‌ر بابه‌ته‌كێ به‌لاڤكری ده‌ربڕینێ ژ بۆچونا نڤێسه‌رێ بابه‌تی دكه‌ت و ماڵامه‌ ئینفو ژێ به‌رپرسیار نینه‌.