وقفات مع الشيخ جلال الصغير (*) الوقفەالثانیة

(الوقفة الثانية)
هل للمهدي المنتظر وجود خارجي ؟
خالد سندي
28/ 8/ 2012
في الوقفة الأولی ذکرنا ردنا علی ما تطرق إليه الشيخ في محاضرته عن إرهاصات ظهور المهدي والمجازر الدموية المروعة التي سيقيمها بحق الشعب الکردي وضربه بلاد الشام بالقنبلة النووية، بعد ظهوره، وذلك دفاعا عن فرعون بلاد الشام، بشار الأسد.
ويحق لنا أن نسأل جلال الصغير هل لهذا الکائن المرعب المهول بسبب الخطر الذي يمثله ويشکله علی حياة مليارات البشر في عالمنا وعلی حضارته، هل حقا له وجود خارجي ؟ أم أنه مجرد وهم وخرافة تفتقت عنها أذهان بعض الخرافيين ؟ وهل يستطيع الشيخ جلال أن يثبت لنا بدليل صحيح صريح قاطع الدلالة علی وجوده ؟ أو يأتي بدليل صحيح السند علی ولادته ؟
لو رجعنا إلی القرآن الکريم باعتباره المصدر الأول لعقيدة الإسلام وتشريعاته، لما وجدنا فيه ذکر صريح عن المهدي المنتظر ولا حتی إماءة علی وجوده. ومعلوم أن کل ما يتعلق بالعقيدة الإسلامية، وردت فيه آيات صريحة قاطعة الدلالة، ليس في آية ولا آيتين ولا ثلاث، بل في مئات الآيات، کما هو الحال في التوحيد والنبوة واليوم الآخر، وحتی جاء فيه أسماء خمس وعشرين نبي وقصصهم مع أقوامهم، وتکررت أسماٶهم وقصصهم في آيات متعددة، بينما لا خبر عن المهدي. ولما لم يذکر في القرآن فمعنی ذلك أنه ليس من الإيمان الواجب، ولا علاقة له بالعقيدة الإسلامية، لأنه يستحيل أن توجد مسألة عقدية، يتعلق بها الإيمان أوالکفر، ثم يترکها القرآن دون توضيح کامل.
وأما السنة الشريفة، فقد وردت بعض الأحاديث في سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرهما أن شخصا من أهل بيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم) سوف يولد في آخر الزمان، يملأ الأرض عدلا وقسطا، کما ملأت ظلما وجورا. بمعنی أنه سيکون خيرا وبرکة للبشرية، لا أنه يدمر البشرية ولا يضرب بلاد الشام بالسلاح النووي. ومعلوم أن أهل البيت إذا أطلق إنسحب علی بني هاشم وبني المطلب الذين حرم عليهم الزکاة.
والأحاديث النبوية لا تحدد ممن يکون، هل هو من ذرية الحسن بن علي، أم الحسين بن علي، أم من ذرية أبناء علي الآخرين، کمحمد بن الحنيفية (وهو إبن علي بن أبي طالب من غير فاطمة)، أو يکون المهدي من ذرية جعفر بن أبي طالب، أو من ذرية العباس بن عبدالمطلب (عم الرسول صلی الله عليه وسلم)، أو غيرهم من أهل بيت النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)، فعليه لا يمکن الجزم بکونه من ذرية أحدهم، ومن ثم أن المهدي الذي ورد ذکره في الأحاديث يوافق إسمه إسم النبي، وإسم أبيه يوافق إسم والد النبي (صلی الله عليه وآله وسلم)، أي أن إسم المهدي هو محمد بن عبدالله، لا أنه إبن الحسن العسکري، ووفق الآثار المروية عن رسول الله (صلی الله عليه وسلم) أنه لم يولد بعد، وسوف تکون ولادته قبيل يوم القيامة، وأنه ليس بإمام ولا معصوم ولا يعلم الغيب.
لقد إستفادت الشيعة من هذه الأحاديث للقول بالمهدي المنتظر، لکنهم إختلفوا في تعيينه، حتی أصبحت لکل فرقة مهديا خاصا بها، وخاصة بعد وفاة الحسن العسکري رحمه الله تعالی.
إن إختلاف الشيعة وعدم إتفاقهم علی أحد بعينه کونه هو المهدي، دليل إضافي علی عدم وجود نص علی شخص معين، لا من الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم)، ولا من أحد من أئمة الشيعة، لأنه بعد وفاة کل إمام من أئمتهم کان يحدث إختلاف بين الشيعة حتی في الإمام الذي يليه، وکان يٶدي ذلك إلی إنشقاقهم وتفرقهم إلی فرق، لذلك کثرت فرقهم وتعددت حتی صاروا أکثر من ثلاثين فرقة، تکفر بعضها بعضا.
وبعد وفاة الحسن العسکري رحمه الله عام (260) هجري، والذي کان عقيما ولم يخلف ذرية من بعده، حدثت هزة عنيفة في صفوف شيعته، وإفترق أصحابه أربع عشرة فرقة (1) وفي هذا دلالة واضحة علی أنه لم يکن له ولد، ولو کان له ولد ما کان يحدث إختلاف ولا فرقة بسبب ذلك.
وهنا بدأت الروايات تتدفق من هنا وهناك، کل فرقة تدعي لنفسها مهديا خاصا بها.
وأما الفرقة التي تدعي أنه کان له ولد، فتنسب رواياتها إلی إمرأة تدعی (حکيمة) علی أنها کانت عمة الحسن العسکري. في حين لا تنسب حتی رواية واحدة إلی أمه (أي العسکري) علی أن إبنها کان له ولد، أو حتی إبنة، وکذلك لم يذکر في حياته إن کان له ولد.
ومن ثم لا تذکر کتب الشيعة إمرأة بعينها کونها أم المهدي، بل الروايات فيها متضاربة، وهناك أسماء لنساء متعددات. جاء في بعض الروايات أن إسمها ريحانة وفي بعضها نرجس، وفي أخری سوسن، وذکر أن إسمها مريم بنت زيد العلوية، وقيل خمط، وصقيل، وقيل حکيمة. ولا ندري کيف يولد إنسان واحد من سبع أمهات ؟!! وحتی تاريخ ولادته غير معلوم أيضا، فهناك روايات تشير إلى أنه ولد سنة 254 هـ، وأخرى تقول أن ولادته كانت في 255 هـ، وثالثة أنها كانت عام 256 هـ، ورابعة تقول في 257 هـ، ورواية خامسة تذكر أنه ولد سنة 258 هـ.
وأما روايات (حکيمة)، عمة الحسن العسکري رحمه الله تعالی، المتعلقة بولادته، فليس فيها رواية واحدة صحيحة بسند صحيح، إضافة إلی کونها متناقضة تناقضا شديدا بحيث لا يمکن الجمع بينها، ومخالفتها الصريحة للقرآن، مثلما لا يقبلها عقل ولا منطق، وهي أقرب ما تکون إلی قصص ألف ليلة وليلة، بل وربما تکون أغرب منها، لا سيما تلك التي تذکر أنها کانت حفيدة إمبراطور الروم (2). يروی عنها أن أمه کانت جاريتها وإسمها نرجس، وفي رواية أخری يروی أنها کانت حفيدة إمبراطور الروم، وأنها هربت من القصر الإمبراطوري علی خلفية رٶيا رأتها في المنام، ودخلت في معسکر المسلمين وإنضمت إلی الأسری، وأنها بيعت في سوق النخاسين، وأن والد حسن العسکري إشتراها، وإسمها نرجس، وهما روايتان متناقضتان، لأنها تقول تارة أن نرجس کانت جاريتها، وتارة أخری تذکر أنها کانت حفيدة إمبراطور الروم، وإشتراها والد العسکري.
والرواية الأخيرة من الناحية التاريخية محض الکذب، ويبدو أن الذي لفقها ما کان يعلم أنه لم يحدث قتال بين المسلمين وبين الروم في تلك الفترة. وقد حققت بنفسي هذه الرواية، إذ قرأت تاريخ الطبري وکتاب البداية والنهاية لإبن کثير، إبتداءا من سنة (٢٥٠ ) ألی سنة (٢٦٠) هجرية، وهي السنة التي توفي فيها الحسن العسکري، وکذلك قرأت کتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي، فلم أر في أي منها خبر عن قتال حدث في السنوات العشر المذکورة بين المسلمين وبين الروم، بل کانت الدولة العباسية في تلك الفترة ضعيفة وتعاني من المشاکل الداخلية. فمن أين جاءت الأسری ؟!! وکيف تخرج حفيدة الإمبراطور من القصر ولا يعلم بها أحد، أو لا يبحثون عنها ؟ !!
وفي الرواية التي تقول أن إسم أمه نرجس، تذکر عن حکيمة أنها کانت في بيت الحسن العسکري فقال: ياعمتاه بيتي الليلة عندنا، فانه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزوجل… قالت: قلت: ممن ياسيدي ولست أرى بنرجس شيئا من أثر الحمل، فقال: من نرجس لا من غيرها. قالت: فوثبت إلى نرجس فقلبتها ظهر البطن فلم أر بها أثرا من حبل.
ورواية أخری تذکر عن حکيمة أنها کانت في البيت وأن الحسن العسکري أرسل إليها، وقال لها: يا عمة اجعلي الليلة إفطارك عندي، فان الله عزوجل سيسرك بوليه وحجته على خلقه، خليفتي من بعدي. قالت حكيمة: فتداخلني لذلك سرور شديد، وأخذت ثيابي علي، وخرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد عليه السلام، وهو جالس في صحن داره وجواريه حوله، فقلت: جعلت فداك يا سيدي ! الخلف ممن هو ؟ قال: من سوسن فأدرت طرفي فيهن، فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.
جاء في هذه الرواية أن إسمها سوسن، وهي مخالفة للرواية السابقة التي تذکر أن إسمها نرجس. وفي الرواية السابقة تقول حکيمة أنها کانت في بيت الحسن العسکري وقال لها بيتي الليلة عندنا، بينما في هذه الرواية أنها کانت في بيتها وأنه أرسل إليها. في الرواية السابقة أکد العسکري أن نرجس هي التي ستولد المهدي بينما في هذه الرواية أنها سوسن. في الرواية السابقة تذکر حکيمة أنها لم تر أثر الحمل علی نرجس عندما قال الحسن أنه سيکون منها، في حين تخبر حکيمة في هذه الرواية أنها لم تر أثر الحمل إلا علی سوسن.

ولا ننسی أن الروايات التي تتحدث عن أسماء أمه وسنوات ولادته کلها ضعيفة من حيث السند، وليس فيها رواية واحدة صحيحة، بمعنی آخر أن أمه غير معلومة من هي، وتاريخ ولادته مجهول أيضا، وهذا يعني أنه لا وجود له في عالمنا.
ولقد أدرك عقلاء الشيعة هذه الحقيقة، وحقيقة المورد الذي أوردهم فيه الخرافيون، فبدأوا بتحقيق تلك الروايات وتمحيصها، ووقفوا علی بطلانها ودعوا إلی نبذها. ومن هٶلاء آية الله العظمی السيد أبو الفضل البرقعي الذي کان زميل الخميني في الدراسة، وأستاذا في الحوزة العلمية في مدينة قم الإيرانية، حيث قام بجمع الروايات المتعلقة بالمهدي وحققها وأودعها في کتاب سماه (تحقيق علمي في أحاديث المهدي) (3) وخلص إلی نتيجة أن کل تلك الروايات لا أساس لها من الصحة. لذلك إغتاله النظام الإيراني. وحذا حذوه الأستاذ (م. عبداللهي) في کتابه الموسوم (نقد وتمحيص روايات المهدي (الشيعية)، وکذلك المفکر الإيراني الکبير الأستاذ في الحوزة العلمية في قم، العلامة علي حيدر قلمداران الذي ألف کتابا فند فيه نظرية الإمامة، وکتابا آخر دحض فيه نظرية الخمس التي يأخذه علماء الشيعة من أموال الناس ومکاسبهم، وبسبب أفکاره الجريئة هذه إغتاله النظام الإيراني الحالي أيضا. وسار علی دربهم العلامة الدکتور موسی الموسوي صاحب کتاب (الشيعة والتصحيح)، وسلك سبيلهم العلامة حسين الموسوي صاحب کتاب (لله ثم للتاريخ)، وواصل نهجهم حجة الله نيکوئي الذي تخرج من الحوزة العلمية في قم، في کتابه (نظرية الإمامة في ميزان النقد) (4)، والقائمة طويلة وتزداد طولا يوما بعد آخر، وسيأتي اليوم الذي يفض الشيعة عنهم غبار هذه الخرافات، وغدا لناظره قريب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) لنا وقفة أخری مع الشيخ.
(1) أنظر (فرق الشيعة)، أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي. تحقيق محمد صادق آل بحر العلوم، بيروت، دار الأضواء، ط 2، 1404هـ/1984م، ص 96. وهو أحد كتب الشيعة الموثوقة المعتبرة التي ألفت في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري).
(2) يراجع کتاب (بحار الأنوار. للمجلسي. ج51. باب1: ولادته وأحوال امّه صلوات الله عليه ).
(3) الکتاب مٶلف باللغة الفارسية، ومترجم إلی اللغة العربية، ويمکن الحصول عليه عن طريق الإنترنيت- غوغل)،
(4) کتاب (نقد وتمحيص روايات المهدي (الشيعية). و(الشيعة والتصحيح). و(لله ثم للتاريخ). و(نظرية الإمامة في ميزان النقد). هذه الکتب متوفرة، ويمکن الحصول عليها عن طريق الإنترنيت (غوغل).

‎لدور مالا مه‌

Check Also

هەستا بەرپرساتییێ یان ترس ژ سزا …

ئارمانج گوهه‌رزی ل دەڤەرا بارزان نەدار دهێتە بەرین نەژی گیانەوەر دهێنە کوشتن سەیرە … !!! …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


هه‌ر بابه‌ته‌كێ به‌لاڤكری ده‌ربڕینێ ژ بۆچونا نڤێسه‌رێ بابه‌تی دكه‌ت و ماڵامه‌ ئینفو ژێ به‌رپرسیار نینه‌.